السبت 25 رمضان 1442هـ الموافق لـ 8 مايو 2021
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

أصول المذهب المالكي

نحا الإمام مالك منحى فقهاء أهل المدينة في الأصول التي بنى عليها اجتهاده، واتخذت بعده أساسا لمذهبه. والأدلة التي اعتمدها علماء المدينة في عمومها هي نفس الأدلة التي اعتمدها غيرهم من أهل السنة والجماعة؛هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وإنما اختلفوا عن غيرهم من أهل الرأي في مدى الإعتماد على الحديث، وشروط قبوله والعمل به، ثم اللجوء إلى القياس ومتى يكون حجة.

1 - الأصول النقلية 
2 - الأصول العقلية
3 - النظر المقاصدي في المذهب المالكي


كان للإمام مالك منهج في الإستنباط الفقهي لم يدونه كما دون بعض مناهجه في الرواية، ولكن مع ذلك صرح بكلام قد يستفاد منه بعض منهاجه، فقد ألمح إلى ذلك وهو يتحدث عن كتابه "الموطأ": "فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة والتابعين ورأيي، وقد تكلمت برأيي، وعلى الاجتهاد، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، ولم أخرج من جملتهم إلى غيره"(1).فهذه العبارة من الإمام تشير إلى بعض الأصول التي استند إليها في اجتهاداته واستنباطاته الفقهية وهي: السنة، وقول الصحابة، وقول التابعين، والرأي والإجتهاد، ثم عمل أهل المدينة.ولقد صنع فقهاء المذهب المالكي في فقه مالك ما صنعه فقهاء المذهب الحنفي، فجاؤوا إلى الفروع وتتبعوها، واستخرجوا منها ما يصح أن يكون أصولا قام عليها الإستنباط في مذهب مالك، ودونوا تلك الأصول التي استنبطوها على أنها أصول مالك، فيقولون مثلا: كان يأخذ بمفهوم المخالفة، أو بفحوى الخطاب، أو بظاهر القرآن. كما نجدهم يقولون في كل قاعدة رأي مالك فيها كذا، وليس ذلك ما أخذوه من جملة الفروع.. ومن مجموع تلك الآراء تتكون أصول المذهب المالكي التي قامت عليها أصول المالكية، والتي قام عليها التخريج من المتقدمين والمتأخرين في ذلك المذهب.ولعل أدق إحصاء لأصول المذهب المالكي هو ما ذكره "القرافي" في كتابه "شرح تنقيح الفصول" حيث ذكر أن أصول المذهب هي القرآن والسنة والإجماع وإجماع أهل المدينة والقياس وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والعرف والعادات وسد الذرائع والإستصحاب والإستحسان(2)

- الأصول النقلية 
القرآن الكريم: يلتقي الإمام مع جميع الأئمة المسلمين في كون كتاب الله عز وجل هو أصل الأصول، ولا أحد أنزع منه إليه، يستدل بنصه، وبظاهره ويعتبر السنة تبيانا له.

السنة النبوية: أما السنة ومفهومها عند الإمام مالك فطبيعي أن يسير في فهمها على ما سار عليه السلف وعامة المحدثين الذين كان من أئمتهم وأقطابهم، غير أنه ربما عمم في السنة لتشمل ما يعرف عند علماء الحديث بالمأثور. وهو بهذا المعنى يعطي لعمل أهل المدينة وإجماعهم مكانة خاصة، ويجعل من قبيل السنة كذلك فتاوى الصحابة، وفتاوى كبار التابعين الآخذين عنهم، كسعيد بن المسيب، ومحمد بن شهاب الزهري، ونافع، ومن في طبقتهم ومرتبتهم العلمية، كبقية الفقهاء السبعة.عمل أهل المدينة: من الأصول التي انفرد بها مالك واعتبرها من مصادر فقه الأحكام والفتاوى. وقسم الإمام الباجي عمل المدينة إلى قسمين: قسم طريقه النقل الذي يحمل معنى التواتر كمسألة الأذان، ومسألة الصاع، وترك إخراج الزكاة من الخضروات، وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل واتصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله، ونقل نقلا يحج ويقطع العذر. وقسم نقل من طريق الآحاد، أو ما أدركوه بالإستنباط والإجتهاد، وهذا لا فرق فيه بين علماء المدينة، وعلماء غيرهم من أن المصير منه إلى ما عضده الدليل والترجيح. ولذلك خالف مالك في مسائل عدة أقوال أهل المدينة(3).

الإجماع: لعل مالكا أكثر الأئمة الأربعة ذكرا للإجماع واحتجاجا به، والموطأ خير شاهد على ذلك. أما مدلول كلمة الإجماع عنده فقد قال: "وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه أهل الفقه والعلم ولم يختلفوا فيه"(4).

شرع من قبلنا: ذهب مالك على أن شرع من قبلنا شرع لنا.

2 - الأصول العقلية
كان للإمام مالك منهج اجتهادي متميز يختلف عن منهج الفقهاء الآخرين، وهو وإن كان يمثل مدرسة الحديث في المدينة ويقود تيارها، فقد كان يأخذ بالرأي ويعتمد عليه، وأحيانا توسع في الرأي أكثر ما توسع فيه فقهاء الرأي في العراق، كاستعماله الرأي والقياس فيما اتضح معناه من الحدود والكفارات مما لم يقل به علماء المذهب الحنفي. ومن الأصول العقلية المعتمدة في المذهب المالكي:

القياس: يعتبر القياس على الأحكام الواردة في الكتاب المحكم والسنة المعمول بها، طبقا للمنهج الذي قاس عليه علماء التابعين من قبله. الإستحسان: لقد اشتهر على ألسنة فقهاء المذهب المالكي قولهم: "ترك القياس والأخذ بما هو أرفق بالناس" إشارة إلى أصل الإستحسان؛ لأن الإستحسان في المذهب المالكي كان لدفع الحرج الناشئ من اطراد القياس، أي أن معنى الإستحسان طلب الأحسن للإتباع.

المصالح المرسلة: من أصول مذهب مالك المصالح المرسلة، ومن شرطها ألا تعارض نصا. فالمصالح المرسلة التي لا تشهد لها أصول عامة وقواعد كلية منثورة ضمن الشريعة، بحيث تمثل هذه المصلحة الخاصة واحدة من جزئيات هذه الأصول والقواعد العامة.

سد الذرائع: هذا أصل من الأصول التي أكثر مالك الإعتماد عليه في اجتهاده الفقهي، ومعناه المنع من الذرائع أي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل ممنوع، أي أن حقيقة سد الذرائع التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة.. العرف والعادة: إن العرف أصل من أصول الإستنباط عند مالك، وقد انبنت عليه أحكام كثيرة؛ لأنه في كثير من الأحيان يتفق مع المصلحة، والمصلحة أصل بلا نزاع في المذهب المالكي.

الإستصحاب: كان مالك يأخذ بالإستصحاب كحجة، و مؤدى هذا الأصل هو بقاء الحال على ما كان حتى يقوم دليل يغيره.

قاعدة مراعاة الخلاف: من بين الأصول التي اختلف المالكية بشأنها "قاعدة مراعاة الخلاف"، فمنهم من عدها من الأصول ومنهم من أنكرها. ومعناها "إعمال دليل في لازم مدلول الذي أعمل في نقيضه دليل آخر"(5) . ومثاله: إعمال المجتهد دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشغار في لازم مدلوله الذي هو ثبوت الإرث بين الزوجين المتزوجين بالشغار فيما إذا مات أحدهما. فالمدلول هو عدم الفسخ وأعمل مالك في نقيضه وهو الفسخ دليل آخر. فمذهب مالك وجوب الفسخ وثبوت الإرث إذا مات أحدهما(6) .

3 - النظر المقاصدي في المذهب المالكي 
إن الإمام مالكا عندما يطلق الرأي يعني به فقهه الذي يكون بعضه رأيا اختاره من مجموع آراء التابعين، وبعضه رأيا قد قاسه على ما علم، ومن ثم فإن باب أصول فقه الرأي عنده هو ما عليه أهل المدينة وعلم الصحابة والتابعين. ويمكن تلخيص ذلك في قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد التي عليها مدار مقاصد الشريعة الإسلامية، فهذا هو أساس الرأي عنده مهما تعددت ضروبه واختلفت أسماؤه. إن أخص ما امتاز فقه مالك هو رعاية المصلحة واعتبارها، لهذا فهي عمدة فقه الرأي عنده اتخذها أصلا للإستنباط مستقلا.

الهوامش 
(1)- ترتيب المدارك،للقاضي عياض، ج 2/ ص: 72.طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميةـ، المغرب. 
(2)- شرح تنقيح الفصول، للقرافي، ص 445، حققه طه عبد الرؤوف سعد، دار الفكر، الطبعة الأولى: 1393هـ/1973م. 
(3)- إحكام الفصول في أحكام الأصول، أبو الوليد الباجي، ص 480-481. تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى: 1401هـ/1981م. 
(4)- ترتيب المدارك، ج2/34. 
(5)- شرح حدود ابن عرفة، للرصاع، 1/263. تحقيق محمد أبو الأجفان والطاهر المعموري. دار الغرب الإسلامي، ط1/1993م. 
(6) - الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة، حسن مشاط، ص 235. دراسة وتحقيق عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى.

 

سد الذرائع

سد الذرائع من الأصول التي أكثر الإمام مالك من الاعتماد عليها في اجتهاده الفقهي. واعتبار سد الذرائع بسدها أو فتحها، يعد توثيقا لمبدأ المصلحة الذي أخذ مالك -رحمه الله- بعروته..

هذا أصل من الأصول التي أكثر الإمام مالك الاعتماد عليه في اجتهاده الفقهي. قال الباجي: "ذهب مالك - رحمه الله- إلى المنع من الذرائع وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل محظور، وذلك نحو أن يبيع السلعة بمائة إلى أجل ويشتريها بخمسين نقدا، فهذا قد توصل إلى سلف خمسين في مائة بذكر السلعة..(1)
وقاعدة الذرائع حكمها مالك في أكثر أبواب الفقه، لأن حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة(2). يقول "القرافي": "الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطه(...)(3) .
وهناك قواعد أخرى أشار إليها "القرافي" و "المقري" في قواعديهما ترتبط بقاعدة الذرائع:
* قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، كالتوسل إلى دفع المال إلى الغير الذي هو محرم عليهم للانتفاع به لكونهم مخاطبين بفروع الشريعة عند مالك(4) .
*- والذرائع القريبة جدا ولا معارض معتبره إجماعا كحفر بئر في الطريق، والبعيدة كذلك ملغاة إجماعا كزراعة العنب مخافة أن يتخذ منه الخمر..وما بينهما معتبر عند مالك كإعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب، أو بُيوع الآجال ملغى عند الجمهور(5).
إن هذا التوجه الذرائعي في فقه الإمام مالك هو توجه مشروط وليس مطلقا..
واعتبار سد الذرائع بسدها أو فتحها، يعد من جهة أخرى توثيقا لمبدأ المصلحة الذي أخذ مالك -رحمه الله- بعروته. فهو يعتبر المصلحة الثمرة التي أقرها الشارع ودعا إليها وحث عليها، فجلبها مطلوب، وضدها وهو الفساد ممنوع، ولذلك كانت المصلحة في المذهب المالكي هي قطب الرحمة، وبها كان هذا المذهب خصبا كثير الإثمار(6) .

الهوامش
(1) 
- إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد سليمان الباجي، ص: 789، تحقيق عبد المجيد تركي. دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأوى: 1407هـ/ 1987م.
(2) - الموافقات في أصول الأحكام، لأبي إسحاق الشاطبي، ج4 / 198 - 199، تعليق عبد الله دراز. دار المعرفة، بيروت.
(3) - الفروق، شهاب الدين القرافي، ج 2/33. مطبعة عالم الفكر.
(4) - المصدر نفسه
(5)- المصدر نفسه
(6) - شرح تنقيح الفصول، لشهاب الدين القرافي،  ص: 446.، تحقيق طه عبد الرؤوف. دار الفكر، الطبعة الأولى: 1393هـ/1973م.

قاعدة الإستحسان

لقد اشتهر على ألسنة فقهاء المذهب المالكي قولهم: "ترك القياس والأخذ بما هو أرفق بالناس" إشارة إلى أصل الإستحسان، لأن الإستحسان في المذهب المالكي كان لدفع الحرج الناشئ من اطراد القياس، فمعنى الإستحسان طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به.

جاء في "إحكام الفصول": "ذكر محمد بن حويز من أصحابنا أن معنى الإستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك -رحمه الله- القول بأقوى الدليلين.."(1) وعرفه "الشاطبي" بقوله: "دليل ينقح في نفس المجتهد ولا تساعده العبارة عنه، ولا يقدر على إظهاره"(2) ثم قال: "وحده غير ابن العربي من أهل المدينة، بأنه عند مالك استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي.(3) " فالإستحسان عند مالك هو نوع من المصالح المرسلة. يقول الشاطبي: "ومما ينبني على هذا الأصل -أي المصلحة- قاعدة الإستحسان، وهو في مذهب مالك الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس "(4).
ويتبين من الفروع المأثورة عن مالك أنه كان يأخذ بالإستحسان في موضعين:
*- إنه كان يفتي به في المسائل لا على أنه القاعدة، بل على اعتبار أنه استثناء وترخص منه..
*- إنه أكثر ما يكون عندما يكون موجب القياس مؤديا إلى غلو في الحكم وحرج شديد، فالإستحسان على هذا هو الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي، وتشهد له عند مالك الرخص الواقعة في الشريعة، فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل في جلب المصالح ودرء المفاسد على الخصوص، وإن كان الدليل العام يقتضي ذلك.

أنواع الاستحسان في المذهب المالكي
قال ابن العربي في "المحصول" حاصرنا أنواع الإستحسان: "وقد تتبعناه في مذهبنا، وألفيناه أيضا مقسما أقساما: منه ترك الدليل للعرف، ومنه ترك الدليل للمصلحة، ومنه ترك الدليل لإجماع أهل المدينة، ومنه ترك الدليل في اليسير لرفع المشقة، وإيثارا لتوسعة على الخلق  "(5).
وإذا كان مالك رحمه الله أخذ بالإستحسان وقال به في مسائل، فإنه لم يؤثر عنه القول به كثيرا ككثرته عند الحنفية. كما قال الحجوي: "استحسن مالك في خمس مسائل لم يسبقه غيره إليها وهي:

  •  ثبوت الشفعة في بيع الثمار و لم يجر عمل  إلا في ثمار الخريف دون المصيف.
  •  وثبوت الشفعة في أنقاض أرض الحبس، وأرض العارية.
  •  والقصاص بالشاهد و اليمين
  •  تقدير دية أنملة الإبهام بخمس من الإبل.
  •  وإيصاء المرأة على ولدها المهمل إذا كان المال نحو ستين دينارا"(6) 

وهذه مسائل لم يسبق أحد مالكا في القول بالإستحسان فيها. وهناك مسائل أخرى سبقه غيره إليها، وعلى هذه المسائل خرجت المالكية كثيرا من الأشباه والنظائر.

الهوامش
(1) 
- إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد الباجي، ص: 787. تحقيق عبد المجيد تركي. دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى: 1407هـ/1987م.
(2) - الاعتصام، للشاطبي، ج2/ ص: 136، ضبطه وصححه أحمد محمد الشافي. دار الكتب العلمية، بيروت. الطبعة الثانية: 1411هـ/1981م.
(3) - المصدر نفسه، ص: 139.
(4) - الموافقات في أصول الأحكام، للشاطبي، ج4 / 206، تعليق عبد الله دراز. دار المعرفةـ بيروت.
(5) - المحصول في أصول الفقه -لابن العربي المعافري- ص: 277. تحقيق د. حسين التاويل، أطروحة دكتوراه بدار الحديث الحسنية. الرباط.
(6) - الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد بن الحسن الحجوي، ج1/ ص: 386. نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.

الإمام مالك بين فكرة الإجماع وإجماع أهل المدينة

لعل مالكا رضي الله عنه أكثر الأئمة الأربعة ذكرا للإجماع واحتجاجا به، والموطأ خير شاهد على ذلك. إن مدلول كلمة الإجماع عند مالك قد حدده في قوله: "وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه أهل الفقه والعلم ولم يختلفوا فيه(1).

"هذا هو اتفاق أهل الحل والعقد من هذه الأمة في أمر من الأمور ونعني بالإتفاق الإشتراك إما في القول أو في الفعل أو في الإعتقاد. وبأهل الحل والعقد المجتهدين في الأحكام الشرعية"(2).
هذا هو الإجماع الذي يحتج به مالك رضي الله عنه، ونرى الإحتجاج به كثيرا في كتاب "الموطأ" في المسائل التي لا يعتمد فيها على النص، أو يحتاج النص عنده إلى التفسير، أو تكون الآية دلالتها من قبيل الظاهر الذي يقبل الإحتمال و التخصيص. قال ابن القصار: "مذهب مالك رحمه الله وغيره من الفقهاء: أن إجماع الأعصار حجة" (3).
والإجماع عند المالكية غير خاص بالصحابة والتابعين، وإجماع التابعين على أحد أقوال الصحابة يعتبر إجماعا..

بين فكرة الإجماع وإجماع أهل المدينة

بتتبعنا للمصطلحات التي وظفها مالك في موطئه ندرك أنه يجعل نوعا من التفرقة بين الإجماع وإجماع أهل المدينة، يدل على ذلك قوله: "وما كان فيه "الأمر المجتمع عليه" فهو ما اجتمع عليه من قول أهل الفقه والعلم ولم يختلفوا فيه"، وما قلت في "الأمر عندنا" فهو ما عمل الناس به عندنا وجرت به الأحكام وعرفه الجاهل والعالم"(4) .
ولذلك نجد "القرافي" يعد أصول مذهب مالك فيعد الإجماع حجة وحده ويعد ما عليه عمل أهل المدينة حجة أخرى فيقول: "الأدلة هي الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإجماع أهل المدينة."(5)

الهوامش
(1) 
- الموطأـ مالك بن أنس، ج2 - ص: 34.
(2) - شرح تنقيح الفصول، لشهاب الدين القرافي،  ص: 322، تحقيق طه عبد الرؤوف سعيد، دار الفكر، الطبعة الولى: 1393هـ/1973م. 
(3) - المقدمة في أصول الفقه، لأبي الحسين بن القصار، ص: 161. قرأها وعلق عليها محمد بن الحسين السليماني. دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى: 1996م.
(4) - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض، 2/74. طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب.
(5) - شرح تنقيح الفصول لشهاب الدين القرافي، ص: 445.

المصلحة المرسلة

المصلحة المرسلة هي من أهم الأصول التي تميز بها المذهب المالكي، وهي بمثابة تطبيق لروح الشريعة ومقاصدها، وليست خروجا عليها أو انفلاتا منها، وهي بذلك تحقق نوعا من المرونة والتكيف داخل المنظومة الإسلامية لمواجهة كل المستجدات والنوازل التي تطرأ على مختلف مرافق الحياة، مما يؤكد صلاحية هذه الشريعة وخلودها على مر الأيام والأزمان.

باستقرائنا لموارد الشريعة الإسلامية، وبتتبعنا لكليات أصولها وجزئيات نصوصها، نستخلص أن المقصد العام من التشريع الإسلامي يدور حول جلب المصالح ودرء المفاسد للفرد والمجتمع على حد سواء. والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء الآية 107..

في معنى المصلحة 
عرف الأصوليون المصلحة اصطلاحا بأنها: "كل منفعة قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأعراضهم، أو كانت ملائمة لمقصوده وفق شروط وضوابط اتفقوا عليها. وهم يقسمون هذه المصلحة تقسيمات عديدة وفق اعتبارات معينة، أهمها: 
*- من حيث اعتبار الشارع لها أو عدم اعتبارها: وهي من هذه الزاوية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: المصلحة المعتبرة: وهي التي اعتبرها الشارع بنص أو إجماع أو بترتيب الحكم على وفقها في صورة بنص أو إجماع. وهي بهذا المعنى حجة لا إشكال فيها. والمصلحة الملغاة: وهي ما شهد الشرع بإلغائها، وهي باطلة باتفاق العلماء ولا يجوز الإحتجاج بها. أما المصلحة المسكوت عنها: فهي تلك المصلحة التي لم تشهد لها النصوص الخاصة بالإعتبار أو الإلغاء. 
فإن كانت هذه المصلحة ملائمة لتصرفات الشارع بان يكون لها جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل خاص، فهو "الإستدلال المرسل" المسمى بـ "المصالح المرسلة". 
وتقسم المصالح باعتبار قوتها في ذاتها: وهي بحسب هذا الإعتبار ثلاثة أقسام : ضرورية وحاجية وتحسينية. 
كما تقسم المصلحة من حيث العموم والخصوص، وأيضا من حيث تحقق نتائجها أوعدم تحققها. أي أن المصلحة إما أن يكون تحققها قطعيا، وإما أي يكون ظنيا وإما أن يكون وهميا. فإن كان تحققها قطعيا أو ظنيا اعتبر ذلك الفعل شرعيا، وإن كان وهميا فلا يحتج بها. 
وتظهر أهمية هذه التقسيمات الأربعة عند تعارض مصلحتين في مناط واحد، وعندها ينظر إلى هذه الجوانب الأربعة على حسب الترتيب: أي ينظر أولا: إلى اعتبار الشارع لها. وثانيا: إلى قوتها في ذاتها. وثالثا إلى عمومها وخصوصها. ثم رابعا إلى مدى تحقق نتائجها في الخارج. 

المصلحة المرسلة 
نظر العلماء إلى المصلحة المرسلة من زوايا مختلفة وعبروا عنها باصطلاحات مختلفة؛ فبعضهم عبر عنها بـ "المناسب المرسل"، وبعضهم بـ "الإستصلاح"، وبعضهم بـ "الإستدلال". 
والإرسال لغة هو: مجرد الإطلاق. فتقول: أرسلت الناقة إذا أطلقتها. أما اصطلاحا فقد عرفت المصلحة المرسلة بعدة تعريفات يمكن إجمالها في القول بأن "المصالح المرسلة هي كل منفعة ملائمة لمقصد الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية، ولم يشهد لها نص خاص بالاعتبار أو الإلغاء".(1)
ومن هذا التعريف يمكن أن نستخلص ثلاثة قيود تميز المصلحة المرسلة عن غيرها من المصالح وهي: 
الأول: أن لا يشهد لها نص خاص بالاعتبار: يخرج بهذا القيد المصالح التي شهدت لها النصوص الخاصة بالاعتبار. 
الثاني: أن لا يشهد لها نص خاص بالإلغاء، وهذا القيد يدل على عدم مصادمتها للنصوص الشرعية الخاصة، من أجل إخراج المصالح الموهومة التي جاءت النصوص على خلافها.. مثل القول بإباحة الربا للضرورة الاقتصادية.. 
الثالث: أن تكون ملائمة لمقصود الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية استقرئت من مجموع النصوص، وبهذا القيد تتميز المصالح المرسلة عن المصالح المعتبرة التي شهدت النصوص الخاصة لعينها بالإعتبار.

موقف العلماء من المصالح المرسلة 
اتفق العلماء على عدم جواز "الاستصلاح" في أحكام العبادات؛ لأنها تعبدية وليس للعقل مجال لإدراك المصلحة الجزئية لكل منها. والمقدرات كالحدود والكفارات وفروض الإرث وشهور العدة بعد الموت أو الطلاق، وكل ما شرع محددا واستأثر الشارع بعلم المصلحة فيما حدد به. 
ويمكن حصر أقوال العلماء في المصلحة في مذهبين: 
المذهب الأول : المانعون من الاحتجاج بالمصالح المرسلة: وقد ذهب إلى هذا الرأي كل من الباقلاني والآمدي وابن الحاجب وابن تيمية...). ومستندهم في ذلك عدم وجود دليل من الكتاب والسنة يدل على جواز العمل بها، أو على عدم اعتبارها.. 
المذهب الثاني : وهم الآخذون بها، وإن اختلفوا في التسمية وضوابط العمل بها، وهم المالكية على ما هو مشهور، وجمهور العلماء عند التحقيق.
إلا أن ما يميز المذهب المالكي هنا عن غيره من المذاهب هو عد المصلحة المرسلة دليلا مستقلا، منفصلا عن باقي الأدلة.(2) بخلاف المذاهب الأخرى التي أدرجتها تحت دليل من الأدلة المتفق عليها كالقياس على ما هو عليه الجمهور مثل الحنفية والشافعية والحنابلة، أو إرجاعها لمقصود الشارع الذي يدل عليه الكتاب والسنة والإجماع، على ما ذهب إليه الإمام الغزالي. 
واتفق المالكية على اشتراط ضابطين لاعتبار المصالح المرسلة: الأول: أن تكون معقولة المعنى في ذاتها جارية على الأوصاف المناسبة، بحيث إذا عرضت على أهل العقول السليمة تلقتها بالقبول. وبهذا القيد يتضح أن مجال العمل بالمصالح المرسلة يتعلق بقسم المعاملات خاصة، دون قسم العبادات لأنها غير معقولة المعنى في الغالب. 
والثاني أن تكون ملائمة لمقصود الشارع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا تعارض دليلا من أدلته القطعية(3) .. 
وصفوة القول إن الأخذ بالمصلحة المرسلة مبدأ اتفقت جميع المذاهب في الأخذ بها خلافا للظاهرية. وهو ما عبر عنه القرافي بقوله: "وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإن افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وفرقوا بين المسألتين، لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب"(4) .

معارضة المصلحة المرسلة
إذا كانت من شروط الاحتجاج بالمصلحة المرسلة هي عدم مصادمتها للنص الخاص. فإن معارضة المصلحة المرسلة للنص القطعي باطلة باتفاق جميع الأصوليين إلا الطوفي، فتكون آنذاك من قبيل المصالح الملغاة؛ لأنه لا يمكن للنص القطعي أن يعارض مصلحة ملائمة لمقصود الشارع. 
أما إن عارضت نصا ظنيا محتملا، من ناحية الدلالة ليشمل عمومات القرآن، أو من ناحية الثبوت ليشمل خبر الآحاد؛ فإن هذه المعارضة هي محل اختلاف الأصوليين. 
فإن كانت المعارضة بين المصلحة والنص الظني كلية من كل وجه بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فالأصل تقديم النص الظني عليها، وقد استثنى بعضهم تقديمها عليه وفق شروط معينة، كأن تستند إلى قاعدة كلية قطعية ويتجرد النص الظني عن استناده إلى أية قاعدة من القواعد، فعندها تقدم عليه على ما ذهب إليه المالكية. 
وأما إن كانت المعارضة جزئية، أو من وجه، كأن يقتضي النص عموما، وتقتضي هي خصوصا، أو يقتضي النص إطلاقا، وتقتضي المصلحة تقييدا، فهو أيضا محل بحث عند العلماء؛ فبعضهم يرى تخصيص النص أو تفسيره بالمصلحة المرسلة، وبعضهم يرى خلاف ذلك. 
لذا يمكن القول بأن التخصيص بالمصلحة المرسلة، هو تعطيل مؤقت لفرد من أفراد العموم لحاجة أو مصلحة اقتضت ذلك. فإذا زالت الحاجة رجع ذلك الفرد المستثنى إلى حكمه الأصلي، وفي هذا خير دليل على أن التشريع الإسلامي لا يعرف العجز والجمود عند نزول النوازل، وتغير الظروف والأحوال(5) .

الهوامش
(1)
- المصالح المرسلة وأثرها في مرونة الفقه الإسلامي، ص 59. د. محمد أحمد بوركاب. دار البحوث الإسلامية وإحياء التراث. الطبعة الأولى: 1423هـ/2002م 
(2)- الموافقات في أصول الأحكام، للشاطبي 2/39، تحقيق عبد الله دراز. دار المعرفةـ  بيروت. الاعتصام للشاطبي، 2/11-115،ضبطه وصححه أحمد محمد الشافي. دار الكتب العلمية، بيروت/ الطبعة الثانية: 1411هـ/1981م. مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، للشريف التلمساني، ص 150.دار الكتب العلمية، طبعة: 1401هـ/1981م. شرح تنقيح الفصول، لشهاب الدين القرافي، ص 446، تحقيق طه عبد الرؤوف سعيد. دار الفكر، الطبعة الأولى: 1393هـ/1973م.
(3)- انظر الموافقات، للشاطبي، ج2/ 306 وما بعدها. الاعتصام: ج2/ ص 129.
(4) - شرح تنقيح الفصول، للقرافي، ص 394 
(5)- انظر تفصيل هذا الخلاف في: المصالح المرسلة وأثرها في مرونة الفقه الإسلامي، محمد أحمد بوركاب، ص 401.وما بعدها.

خصائص المذهب المالكي

هو المذهب المالكي الذي اختاره الآباء و الأجداد عن إيمان واقتناع وحجة وبرهان. ولم يبغوا به بديلا منذ عرفوه فجمع شملهم ووحد كلمتهم وصان دولتهم وعصمهم من التفرق والاختلاف بما امتاز به من خصوصيات على صعيد أصول الفقه،وعلى صعيد الفقه نفسه.

1 - الحديث النبوي الشريف الوارد في عالم المدينة 
2 - خصوصيات المذهب على مستوى أصول الفقه
3 - في خصوصياته على الصعيد الفقهي و نوجزه في عشرة محاور:
أولا : رحابة صدره و انفتاحه على غيره من المذاهب الفقهية والشرائع السماوية السابقة..
ثانيا : قابليته للتطور والتجديد ومواكبة العصر..
ثالثا : المرونة في معالجة كثير من القضايا الشائكة والحالات المستعصية..
رابعا   : السماحة والتيسير في أحكامه وآرائه..
خامسا : الوسطية والاعتدال في أحكامه ومواقفه وفي أصوله وفروعه..
سادسا : البعد المقصدي..
سابعا: البعد العلمي والمعرفي بنصوص الشريعة الإسلامية وروحها..
ثامنا  : البعد الاجتماعي والمصلحي في توجهاته وأحكامه.. 
تاسعا  : المنطقية والعقلانية في أحكامه.. 
عاشرا : الواقعية، نوازله وفروعه في مختلف الأبواب..

1 - الحديث النبوي الشريف الوارد في عالم المدينة 
وأتناول في هذه المقدمة الكلام عن الحديث، عن روايته من الصحابة ومخرجيه وسنده، و صفته ودرجته وشرح ألفاظه، وبيان معناه وتأويله، هي ثمان نقط أتناولها بإيجاز شديد.فأما رواته من الصحابة فقد رواه أبو هريرة و أبو موسى الأشعري و جابر بن عبد الله. وأما مخرجوه فقد أخرجه أحمد والترمذي والنسائي في مصنفه وابن عبد البر في تمهيده وابن حيان في صحيحه.
وأما سنده فقد روي من طرق قال القاضي عياض أشهرها طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريح عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة، ورجالها كلهم تقات مشاهير أخرج لهم البخاري ومسلم وأصحاب الصحيح. ورواه النسائي من طريق محمد بن كثير فقال فيه عن ابن جرير عن أبي الزناد قال النسائي وهو خطأ والصواب أبو الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة وأما صفته فرواه سفيان فرفعه ورواه الحاملي عن ابن جريح موقوفا على أبي هريرة.و رواه محمد بن عبد الله الأنصاري مسندا.
وهو ثقة مأمون كما قال القاضي عياض، رواه الترمذي من طريق الحصن بن الصباح وإسحاق بن موسى الأنصاري فقال فيه عن أبي هريرة رواية.
والقاعدة عند المحدثين و علماء الأصول أنه إذا تعارض الرفع و الوقف تقدم رواية الرفع لأنها زيادة. كما أن قول الراوي رواية هو من قيل الرفع اتفاقا .
والسر في عدول الراوي عن التصريح بالرفع أما الشك في صيغة الأداء هل قال الصحابي قال رسول الله أو قال سمعت رسول الله أو قال عن رسول الله .
فإذا حصل للراوي شك يعدل إلى قول رواية،أو قوله يرفعه، وإما اختصارا.
وأما درجته فقال الترمذي حديث حسن. وقال القاضي عياض صحيح مشهور، وضعفه بعضهم بالانقطاع ولم يبين وجهه. وأما متنه فقد روي بلفظ يضربون آباط الإبل. وروى يضربون أكباد الإبل. وهو كناية عند الرحيل وإسراع السير لإدراك الغرض خشية فواته لأن الكبد لا تضرب وإنما يضربون آباط الإبل حيث تكون الكبد.
كما روي بلفظ فلا يجدون أعلم من عالم المدينة، وفي رواية فلا يجدون أفقه من عالم المدينة، ويرى كثير من العلماء أن العلم والفقه مترادفان في حين يرى آخرون أن الفقه هو صفاء الفهم ويرى الشيرازي أن الفقه هو العلم بخفايا الأمور ودقائقها وأنه منزلة فوق مجرد العلم. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. وأما المعنى الإجمالي للحديث فهو إخبار بأنه يكاد ويقرب تهافت الناس على طلب العلم ولا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة .
ويبقى من هو هذا العالم المبشر به،يقول سفيان بن عيينه وغيره ممن عاصر مالكا ومن جاء بعده إنه مالك بن أنس رضي الله عنه.
والحديث إحدى المعجزات النبية حيث أخبر بالغيب ووقع كما أخبر به، فقد سجل التاريخ أن الناس كانوا يرحلون إلى مالك من المشرق ومن الغرب طلبا للعلم والاستفتاء وقد بلغ عدد من روى عنه ألفا و ثلاثمائة عالم محدث والحديث من جهة أخرى شهادة لمالك رحمه الله .بأنه أعلم وأفقه أهل زمانه، وكفى بها شهادة له ولمذهبه وفقهه وهنيئا للمغاربة وللمالكية بهذه الشهادة النبوية لمذهبهم.

2 - خصوصيات المذهب على مستوى أصول الفقه
يمتاز المذهب المالكي على مستوى أصول الفقه بعدة مزايا وخصوصيات من أهمها:
أولا: وفرة مصادره و كثرة أصوله المتمثلة في الكتاب و السنة و إجماع الأمة وعمل أهل المدينة والقياس و لاستحسان والاستقراء وقول الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف والأخذ بالأحوط ومراعاة الخلاف. بالإضافة إلى القواعد العامة المتفرعة عنها والتي أنهاها بعض المالكية إلى ألف و مائتي قاعدة تغطي جميع أبواب الفقه ومجالاته.
هذه الكثرة أغنت الفقه المالكي و أعطته قوة وحيوية و وضعت بين أيدي علمائه من وسائل الاجتهاد وأدوات الاستنباط ما يؤهلهم لبلوغ درجة الاجتهاد ويمكنهم من ممارسته ويسهل عليهم مهمته.
وإذا كانت بعض المذاهب شاركت المذهب المالكي في بعض هذه الأصول فإن ميزة الفقه المالكي تكمن في الأخذ بجميع هذه الأصول بينما غيره لم يأخذ إلا ببعضها ورد الباقي.
ثانيا: تنوع هذه الأصول والمصادر فإنها تتراوح بين النقل الثابت والرأي الصحيح المستمد من الشرع والمستند إليه كالقياس. هذا التنوع في الأصول والمصادر والمزاوجة بين العقل والنقل والأثر والنظر وعدم الجمود على النقل أو الانسياق وراء العقل هي الميزة التي ميزت المذهب المالكي عن مدرسة المحدثين ومدرسة أهل الرأي وهي سر وسطيته وانتشاره والإقبال الشديد عليه وضرب أكباد الإبل إلى إمامه في أيام حياته.
ثالثا: توسعه في استثمار الأصول المتفق عليها توسعا كبيرا مما ساعد ويساعد على سد الفراغ الذي يمكن أن يحس به المجتهد عند ممارسة الاجتهاد والاستنباط، وهكذا نجده في التعامل مع الكتاب والسنة لا يكتفي بالنص والظاهر بل يقبل مفاهيم المخالفة والموافقة وتنبيه الخطاب كما يقبل دلالة السياق ودلالة الاقتران والدلالة التبعية، وقد استدل بقوله تعالى: والخيل والبغال والحمير لتركبوها على عدم وجوب الزكاة في الخيل لاقترانها بالحمير التي لا زكاة فيها ،كما توسع في باب القياس فقبل أنواعا من القياس لا يقبلها غيره ولم يخصه بباب من أبواب الفقه ولا نوع من أنواع الحكم.
بينما نجد كثيرا من الفقهاء يردون بعض أنواع القياس ويضيقون مجالات المقبول عندهم. فلا يقبلون القياس على ما ثبت بالقياس ولا القياس المركب والقياس على مخصوص وقياس العكس. ولا يجيزون القياس في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات والأسباب والشروط والموانع.

3-في خصوصياته على الصعيد الفقهي و نوجزه في عشرة محاور
أولا: رحابة صدره و انفتاحه على غيره من المذاهب الفقهية والشرائع السماوية السابقة و اعترافه بالجميع و استعداده للتعايش معه والاستفادة منه بفضل قاعدة شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ التي اتخذها مالك أصلا من أصوله التي بنى عليها ماله و أسس عليها فقهه و انطلاقا من إيمانه بحرية الاجتهاد و وجوبه و أنه لا يقلد مجتهد غيره،و أن المصيب واحد كما يراه مالك و أكثر علماء الأصول يتجلى ذلك:
1- في اتخاذ شرع من قبلنا شرعا لنا ما لم يرد ناسخ، وهكذا أخذ المالكية بمشروعية الجعالة والكفالة من شريعة يوسف كما حكاه الله عنه في قوله: ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم. كما استدلوا على مشروعية قسمة مهيأة بقول صالح: هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. وعلى جواز الإجازة والنكاح على منافع بقول صاحب مدين: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج.
2- في إباحته الاقتداء بالمخالف في الفروع و لو ترك شرطا من شروط الصلاة أو ركنا من أركانها في الفقه المالكي إذا كان الإمام لا يراه شرطا ولا ركنا في مذهبه، الصلاة وراء من نام ولم يتوضأ أو لا يقرأ الفاتحة في الصلاة أو يفتتح الصلاة بغير تكبيرة الإحرام على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه.
3- في رفضه تكفير المسلمين بالذنب و الهوى فقد سئل مالك عن المعتزلة أكفار هم؟ قال من الكفر فروا.
4- في تصحيحه حكم المخالف لمذهب مالك ومنع نقضه وإن خالف المشهور أو الراجح في المذهب المالكي، وهي القاعدة المعروفة بحكم الحاكم يرفع الخلاف المشار لها بقول خليل ورفع الخلاف لا أحل حراما.
5- فيما قرره الفقه المالكي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن المختلف فيه لا يجب فيه الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، وهي قاعدة من أهم القواعد التي تحقق التعايش بين المذاهب والطوائف المختلفة وتحفظها من الصراع المذهبي والطائفي.
6- فيما قرره الفقه المالكي أيضا أنه إذا لم يوجد نص للمالكية في النازلة المعروضة فإنه يعمل فيها بالفقه الشافعي أو الحنفي على خلاف بينهم.
7- في رفض مالك فرض مذهبه وموطئه على جميع الأئمة حين عرض عليه الخليفة العباسي ذلك واعتذر مالك عن ذلك .
8- في استحسانه العمل برأي المخالف ابتداء في بعض مواطن الخلاف من باب الورع والخروج من الخلاف، قراءة البسملة سرا، وقراءة الفاتحة خلف الإمام للخروج من خلاف الشافعي.
9- في قبوله رواية المبتدع إذا لم يكن داعية لمذهبه و لم يكن ممن يستحل الكذب .
10- في إباحته الخروج عن المذهب و العمل بقول المخالف عند الحاجة وفي بعض القضايا التي يصعب فيها الأخذ بالفقه المالكي أو لغير ذلك من الأسباب .
روي عن مالك أنه دخل المسجد بعد صلاة العصر وجلس ولم يصل تحية المسجد فقال له صبي: قم يا شيخ فاركع ركعتين، فقام فصلاهما فقيل له في ذلك، فقال خشيت أن يصدق علي قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون.
هكذا إذا يتبين مدى انفتاح  الفقه المالكي على غيره و مصالحته له و تعايشه مع في سلام و تفاهم  و وئام وإمكان الأخذ عنه والاقتباس منه.
وهذا هو الذي تفاعل في رحم المجتمع المغربي عبر التاريخ ليجعل منه هذا المجتمع المنفتح المتسامح المتسع لمخالفة المخالفين لكن دون فقد خصوصياته ولا تضييع هويته.
مما يمكن اعتباره حسنة من حسنات هذا المذهب وفضلا من أفضاله على هذا البلد الأمين.
ثانيا: قابليته للتطور والتجديد ومواكبة العصر في ظل الشريعة الإسلامية وتحت مراقبتها وداخل إطارها الفقهي ومحيطها الفلسفي والأخلاقي بفضل أخذه بمبادىء العادة الحسنة والمصلحة المرسلة وسد الذرائع فإن هذه الأمور تختلف من عصر إلى عصر ومن بلد إلى بلد مما يفتح الباب على مصراعيه أمام كل باحث مقتدر وكل فقيه مجتهد يتمتع بالأهلية الضرورية لاستنباط ما يحتاج لاستنباطه من أحكام أو اختيار ما هو الأفضل والأنسب مما هو موجود ومنصوص عليه في التراث الفقهي الإسلامي.
وقد أثبتت التجربة المغربية نجاعة هذا الأسلوب و فائدته في فقه العمليات أو ما يعرف بما جرى به العمل:العمل الفاسي العمل المطلق، فإن رواد هذا الفقه التجديدي استندوا في أحكامهم وفتاويهم التي جرى بها العمل إلى المصالح المرسلة وسد الذرائع والعادات الحميدة لاعتماد أقوال مرجوحة أو خارجة عن المذهب تتناسب مع الظروف الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية التي كانوا يعيشونها مما أغناهم عن الاستيراد والتبني والتقليد والاقتباس من الغير وساعدهم على المحافظة على الهوية الإسلامية والطابع المالكي في تشريعهم وقضائهم، كمثال على ذلك قراءة القرآن جماعة، شهادة اللفيف، بيع الصفقة..إلا أن هذه القابلية للتطور والتجديد محصورة ومحدودة في ساحة المسكوت عنه أو المخير فيه أو المختلف فيه أما المنصوص عليه أمرا أو نهيا أو إذنا أو ما يسمى بالعادات الشرعية فإنه من الثوابت التي لا تقبل التغيير ولا يجوز المساس بها باسم المصلحة المرسلة أو العادة المتجددة لأن ذلك يعتبر نسخا للشريعة و لا نسخ بعد وفاته صلى الله  عليه و سلم.

ثالثا: المرونة في معالجة كثير من القضايا الشائكة والحالات المستعصية والعمل على حل المشاكل الطارئة بفضل مبدأ مراعاة الخلاف الذي اتخذه أصلا من أصوله الفقهية التي بنى عليها فقهه، يتجلى ذلك في:
- تصحيحه بعض العقود الفاسدة المختلف فيها بعد وقوعها مراعاة لقول المخالف بشرط أن يكون ذلك القول مؤسسا على دليل قوي في نفسه .
- في ترتيب آثار العقود الصحيحة على العقد الفاسد المختلف فيه أيضا.وكمثال على ذلك، الأنكحة الفاسدة المختلف فيها، فإن الفقه المالكي يصحح بعضها بعد الدخول. ويلحقه فيها الولد بالزوج ويوجب فيها التوارث بين الزوجين قبل الفتح ويعتد بالطلاق الواقع فيها.
وفي البيوع الفاسدة ينتقل فيها الضمان للمشتري بالقبض وإذا فات المبيع يمضي بالثمن.
بينما الفقه الشافعي يرى فسخ البيع الفاسد ولو تداولت الأيدي كما يرى فسخ الأنكحة الفاسدة ولو ولدت الزوجة الأولاد، ويحد الزوجين في بعض الحالات.

رابعا: السماحة والتيسير في أحكامه وآرائه رائده في ذلك الكتاب والسنة وما استنبط منهما من قواعد أصولية ومبادىء فقهية ساعدته على اتخاذ أيسر الحلول وأخف الأحكام وأسهلها مثل قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر وقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقوله: و ما جعل عليكم في الدين من حرج) وقوله صلى الله عليه وسلم:"يسروا و لا تعسروا" وقوله: (إياكم و الغلو في الدين. وقاعدة الحرج مرفوع والمشقة تجلب التيسير والضرر يزال والضرورات تبيح المحظورات والأصل في الأشياء الطهارة والإباحة وغير ذلك من القواعد التي كان لها انعكاس إيجابي في مختلف أبواب الفقه في العبادات والمعاملات والمنازعات وشؤون الأسرة وغير ذلك من أبواب الفقه التي جاء فيها الفقه المالكي أكثر تيسيرا وتسامحا وأكثر استجابة لحاجات الناس في عبادتهم و معاملاتهم وأرفق بهم وأصلح لهم في دينهم ودنياهم مما جعل الغزالي رحمه الله بعد المقارنة بين المذاهب الفقهية في باب المياه ويقول: وددت لو كان مذهب الشافعي في المياه كمذهب مالك.

خامسا: الوسطية والاعتدال في أحكامه ومواقفه وفي أصوله وفروعه لا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تشديد ولا غرابة ولا شذوذ ولا جمود ولا تعقيد ولا تمرد ولا تكفير. يقول بالقياس ويحبذ الأخذ بالرخص ويكره الأخذ بغرائب الأقوال وشواذ الأحكام، يحب الاتباع ويكره الابتداع، ويحرم استعمال الحيل للتخلص من الواجبات أو التوصل إلى المحرمات، ويرفض نتائجها ويؤاخذ المحتال بنقيض قصده، و يحرمه من الاستفادة من حيلته، و يعاقبه على فعلته. و كمثال على ذلك التوليج في البيع و الوصايا ،و الفرار من الزكاة و الطلاق في مرض الزوج و نكاح المحلل .

سادسا: البعد المقصدي حيث يعتبر الفقه المالكي من أعمق المذاهب الفقهية فهما لروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها وأبعدها نظرا واعتبارا لمآلاتها، وأكثرها التزاما بمراعاة حكمها وأسرارها عند استنباط الأحكام من نصوصها، وتفريع الفروع عليها، وخاصة فيما يتعلق بالضروريات الخمس:الدين والنفس والمال والعرض والعقل فإنه تفوق على كثير من المذاهب الفقهية في العناية بها والمحافظة عليها ومنع المساس بها من قريب أو بعيد وبأي وجه من الوجوه.
وللتوضيح أكثر يكفي أن نأخذ نموذجا واحدا وثيق الصلة بالمحافظة على الأرواح، حيث يستطيع كل قارىء أو باحث أن يلمس فيه حكمة الفقه المالكي، وبعد نظره والتزامه بروح الشريعة ومقاصدها وقدرته على بلورتها وتحقيقها في تشريعاته وأحكامه.
ففي باب الدماء يتفق الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه و مدارسه على أن الحكمة من القصاص هي المحافظة على أرواح الناس وحياتهم، والضرب على أيدي المعتدين وزجرهم من سفك دماء الأبرياء ظلما و عدوانا أخذا من قوله تعالى: و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون
فهل استطاعت المذاهب الفقهية المختلفة تحقيق هذه الحكمة وبلوغ هذا الهدف؟ وهل وفقت لاستنباط القواعد والضوابط الملائمة لها؟ وهل نجحت في المحافظة على أرواح الناس، والقضاء على جريمة القتل أو التخفيف منها؟
بالنسبة للفقه المالكي نستطيع الجواب بنعم على هذه الأسئلة كلها، فقد استطاع تحقيق تلك الحكمة، ووفق في وضع القواعد والضوابط الكفيلة بإنجاحها، ونجح في الحد من انتشار جريمة القتل في المجتمعات التي دانت له مدة سيادته في محاكمها ووجوده في تشريعاتها، حتى إذا غاب عنها تغيرت الأمور ولم يبق مسؤولا عما يجري فيها.
يؤكد ما نقوله أمران:
الأول: نظري تشريعي يتمثل في وضع القواعد الصارمة وغير المتساهلة مع من تسول له نفسه الاعتداء على حياة الناس وأرواحهم.
وهكذا أوجب القصاص في القتل العمد (العدوان) بقطع النظر عن الآلة المستعملة فيه. والطريقة المتبعة في تنفيذه، وسوى بين القتل مباشرة والقتل تسببا وتوسع كثيرا في مفهوم السببية لتشمل الإكراه على قتل الغير والأمر به. والدلالة على المختبىء المراد قتله وإمساكه لمن يقتله، ومنع الطعام والشراب والدواء واللباس عن المضطر لذلك، وشهادة الزور بما يوجب القتل.
والحكم الجائر بالقتل، وتنفيذ ذلك الحكم ممن يعلم جوره، كما أوجبه بالتخويف إذا ترتب عليه الموت، وفي حالة رضا المقتول بالقتل وإذنه فيه مسبقا (ما يعرف بقتل الرحمة).
وأوجب قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله أو تمالؤوا عليه، ونفى شبه العمد وضيق من مفهوم الشبهة الدارئة للحد، وفتح باب الإجتهاد في الحدود وجوز القياس فيها، واكتفى في ثبوت القتل بالقسامة والتدمية ولم يقبل العفو من الولي عن القاتل إذا كان القتل غيلة أو حرابة، ولا من الإمام إذا لم يكن للقتيل ولي.
وبهذا التشريح الصارم سد جميع أبواب القتل وأغلق نوافذه وقطع الطريق على المتعطشين لدماء الأبرياء ونزع الحصانة عن الجميع، وضمن للناس حياة آمنة مطمئنة مصداقا لقوله تعالى:ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون.
يؤكد هذا و هو الأمر الثاني قلة نوازل الدماء في كتب النوازل الفقهية المالكية مما يفسر بقلة حوادث القتل،و يسجل شهادة واقعية باستتباب الأمن في تلك الحقب والبلاد التي ساد فيها الفقه المالكي .
بينما نجد بعض المذاهب الفقهية ضيق في مفهوم القتل الموجب للقصاص وتوسع في مفهوم الشبهة المسقطة للقصاص ومنع القياس في الحدود وأثبتت شبه العمد ورد حديث القسامة.
وبذلك انفتح باب القتل على مصراعيه، وأصبح باستطاعة كل مجرم أن يحقق رغبته، ويقترف جريمته، ويتخلص من عدوه بكل وسيلة من وسائل القتل التي لا قصاص فيها وهو آمن مطمئن على نفسه من القصاص ضامن لنفسه الحياة بعد تخلصه من غريمه.

سابعا: البعد العلمي والمعرفي بنصوص الشريعة الإسلامية وروحها كما يؤخذ من الحديث الشريف "فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة"، وفي رواية فلا يجدون أحدا أفقه من عالم المدينة فالعلم معرفة الشيء على ما هو عليه، والفقه إدراك الأمور الخفية. قال الله تعالى: "وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون.وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون".
لما كان الحديث عن النجوم والبر والبحر من المحسوسات ذيلت الآية بقوله لقوم يعلمون، ولما كان الحديث عن النشأة من نفس واحدة والمستقر والمستودع من الأمور الخفية ذيلت الآية بقوله لقوم يفقهون. ولذا قال صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولم يقل يعلمه.
ومن أجل هذا البعد العلمي المعرفي كان الفقه المالكي أقرب المذاهب الفقهية إلى الكتاب والسنة وأقلها مخالفة للحديث الصحيح كما قال ابن تيمية. وكان أكثرها صوابا وأصحها قياسا كما قال الشافعي وأرجحها رأيا كما قال الإمام أحمد وأقلها خطأ كما قال ابن خويز منداد. وأحسنها تأويلا وأصوبها جمعا وتوفيقا بين النصوص المختلفة والأدلة المتعارضة. والحديث يشهد لهذا كله، فإن الأعلم والأفقه لا يكون علمه وفقهه إلا هكذا والمتتبع للفقه الإسلامي والفقه المالكي على مستوى الخلاف العالي لا يسعه إلا أن يؤكد صحة هذه الشهادات وصدقها.

ثامنا: البعد الإجتماعي والمصلحي في توجهاته وأحكامه بفضل اتخاذه المصالح المرسلة والعادات الحسنة أصلا من أصوله الفقهية، ومصدرا من مصادره التشريعية التي بنى عليها فقهه، وأرسى عليها قواعد مذهبه واستمد منها آراءه وأحكامه.
وهكذا نراه كلما كانت هناك مصلحة دينية أو منفعة دنيوية لم يرد دليل شرعي على إلغائها أو كانت هناك عادة متبعة في بلد أو سنة مألوفة بين الناس في أفعالهم أو أقوالهم لا تتنافى مع الشرع ولا تخالف قواعده فإن الفقه المالكي يقرها ويرحب بها ويدخلها في منظومته الفقهية ولا ينتظر قيام الدليل الخاص على شرعية تلك المصلحة بعينها أو تلك العادة بذاتها اكتفاء بالقاعدة العامة أن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، وأنه حينما كانت هناك مصلحة فهناك حكم الله حتى يدل الدليل على خلاف ذلك.
إلا أن المعتبر في المصالح المرسلة ما يحقق المصالح الشرعية لا ما يحقق رغبات الناس و أهواءهم لأن مصالح الناس تتعارض فإن الله تعالى يقول:"ولواتبع الحق أهواءهـــم لفسدت السماوات و الأرض ومن فيهن".

تاسعا: المنطقية والعقلانية في أحكامه لا تجد فيه ما يناقض العقل السليم أو يخالف المنطق الصحيح أو تحيله السنة الكونية، ويرفض ذلك كله ولا يقبله ويشترط الامكان في كل أحكامه ويرد ما يخالفه كما هو الشأن في الأنساب والشهادات والدعاوي.

عاشرا: الواقعية، نوازله وفروعه في مختلف الأبواب، موضوعاتها تتراوح بين ما هو واقع وما يمكن وقوعه.
وقد كان مالك رحمه الله إذا سئل عن شيء من ذلك يقول للسائل، سل عما يكون ودع ما لا يكون، وربما أعرض عن السائل، فإذا ألح عليه السائل في طلب الجواب يقول له: لو سألت عما تنتفع به لأجبتك.
هذه جملة من خصائص هذا المذهب المبارك حلى به إلى هذا البلد الأمين بطائفة من السمات بوأته هذا المقام الذي أضحى معروفا به بين العالمين مقام الانفتاح والتسامح والتعاون والثبات والتسامي.
فتفاعل المغاربة مع مذهب يحمل كل هذه الخصائص قد وسم شخصيتهم الجماعية بهذا الوسم وجعل من فهمهم للدين وتدينهم به وتنزيله على واقعهم بمختلف تمظهراته رافدا وحاملا نحو هذا الأفق الديني السني الذي أصبح العام والخاص يتبينون تميزه، ويتعرفون من خلاله على إسلام الجمال والتسامح والإخاء الذي جاء به نبي الرحمة صلى الله عليه و سلم..

د. محمد التاويل


مراعاة مقاصد المكلفين

هذه القاعدة أعم وأوسع من قاعدة "سد الذرائع" لأن في هذا الأصل تراعى مقاصد المكلفين عموما، وأثر ذلك في التصرفات والمعاملات

بالرغم من أن جميع المذاهب اعتبرت قاعدة "الأمور بمقاصدها" فإن المذهب المالكي يبقى رائد المذاهب في مراعاة مقاصد المكلفين وبناء الأحكام عليها(1).  ويؤكد ابن العربي قبل "الشاطبي" على هذا الأصل المالكي فيقول:" ولا تتعلق بالألفاظ إلا أن ترد على موضوعاتها الأصلية في مقاصدها المطلوبة، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلق عليها مقاصدها، ألا ترى أن البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى، وقد قال الله تعالى ( إن الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} (2) ". (3)
وإذاً فمتى ظهرت المقاصد أخذ بها وبنى عليها، ولا عبرة باللفظ، ومتى ثبت اللفظ وتردد بين معنيين أو أكثر حمل على المعنى الموافق للقصد. وهنا قد راعى الإمام مالك قصد المكلف، ومن أقواله أيضا المراعية لقصد المكلف في الفعل، ما جاء في الموطأ في باب القصاص في القتل : "قال مالك، في الرجل يمسك الرجل للرجل فيضربه فيموت مكانه: إنه إن أمسكه، وهو يرى أنه يريد قتله قتلا به جميعا. وإن أمسكه وهو يرى إنما يريد الضرب مما يضرب به الناس، لا يرى أنه عمد لقتله، فإنه يقتل القاتل، ويعاقب الممسك أشد العقوبة. ويسجن سنة. لأنه أمسكه. ولا يكون عليه القتل"(4) . 
  وعمل الإمام مالك بهذه القاعدة متفرع عن عمله بقاعدة الذرائع التي توسع فقهاء المالكية في تطبيقها فيما بعد أكثر من غيرهم، ومن هذا المنطلق حكموا بمعاملة من يحتال على تحليل الحرام أو تحريم الحلال بنقيض مقصوده وقعدوا لذلك بعض القواعد مثل قاعدة "من استعجل الشيء قبل أوانه فإنه يعاقب بحرمانه" (5) . وكذلك راعى مالك (ض) المقاصد في تحقيق الجنسية في الأموال الربوية"(6).
وهذه بعض القواعد المرتبطة بهذا التوجه المالكي في مراعاة المقاصد:

  •  من أصول المالكية المعاملة بنقيض المقصود الفاسد كحرمان القاتل من الميراث وتوريث المبتوتة في المرض المخوف.
  •  وكل ما خرج على قصد المبالغة أو الكناية فالمعتبر معناه لا لفظه
  •  لسان الحال يتنزل منزلة لسان المقال عند المالكية خلافا للأئمة
  •  عناية الشرع بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المصالح، فإن لم يظهر الجلب قدم الدرء (7).

وبعد هذه الجولة، نقرر - كما قرر الشاطبي- أن النظر في مآلات الأفعال عند مالك معتبر مقصود شرعا سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة (8)، وينبني على هذه القاعدة عدة قواعد منها المصالح والاستحسان.

 

 

 

الهوامش
(1)
 - انظر هذا الكلام في كتاب: نظرية المقاصدعند الإمام الشاطبي، أحمد الريسوني. الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الطبعة الرابعة:1995م. 
(2) - سورة التوبة الآية 112
(3) - أحكام القرآن، لابن العربي،ج3/ص: 50.
(4)- الموطأ- كتاب العقول - باب القصاص في القتل. (ج2/665).
(5) - إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك-لأبي العباس أحمد الونشريسي ص: 320. تحقيق أحمد أبو طاهر الخطابي. طبع هذا الكتاب بإشراف اللجنة المشتركة بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، الرباط: 1400هـ/1980م.
(6) - القبس -شرح موطأ مالك بن أنس- لأبي بكر بن العربي المعافري، دراسة وتحقيق عبد الله ولد كريم. ج2 - ص: 805. دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى: 1992م.
(7) - انظر كتب القواعد في المذهب المالكي: ( قواعد المقري، و قواعد القرافي).
(8) - الموافقات في أصول الأحكام، أبي إسحاق الشاطبي، بتعليق عبد الله دراز، ج4 / 194. دار المعرفة، بيروت.

الفكر المقاصدي عند الإمام مالك

إن أخص ما امتاز به فقه مالك هو رعاية المصلحة واعتبارها، لهذا فهي عمدة فقه الرأي عنده اتخذها أصلا للإستنباط مستقلا..

إن الإمام مالكا عندما يطلق الرأي يعني به فقهه الذي يكون بعضه رأيا اختاره من مجموع آراء التابعين، وبعضه رأيا قد قاسه على ما علم، ومن ثم فإن باب أصول فقه الرأي عنده هو ما عليه أهل المدينة وعلم الصحابة والتابعون. ويمكن تلخيص ذلك في قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد التي عليها مدار مقاصد الشريعة الإسلامية. فهذا هو أساس الرأي عنده مهما تعددت ضروبه واختلفت أسماؤه، أو كما قال أبو زهرة "فالرأي سواء كان بالقياس أو كان بغيره من الاستحسان أو المصالح المرسلة أو سد الذرائع قوامه جلب المصالح ودرء المفاسد."
ومراعاة المصلحة في المذهب المالكي ليس مجرد الأخذ بالمصلحة المرسلة حيث لانص ولا قياس بل هو استحضار المصلحة عند فهم النص وعند إجراء القياس، فضلا عن حالات إعمال المصلحة المرسلة(1) .
ومن هنا يجب أن يكون الإجتهاد الفقهي قائما على أساس الاستصلاح، وأن يكون فهم النصوص والاستنباط منها قائما على أساس أن مقاصدها جلب المصالح ودرء المفاسد(2). وقد قرر الإمام الشاطبي هذه الحقيقة بقوله: "وقد استرسل مالك فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية مع مراعاة مقصود الشارع، أن لا يخرج عنه ولا يناقض أصلا من أصوله"(3) .
وقبل الشاطبي نجد "القاضي عياض" يسجل أن أحد الاعتبارات المرجحة لمذهب مالك هو النظر المصلحي القائم على مقاصد الشريعة وقواعدها، فيقول: "الاعتبار الثالث يحتاج إلى تأمل شديد، وقلب سليم من التعصب سديد، وهو الالتفات إلى قواعد الشريعة ومجامعها، وفهم الحكمة المقصودة بها من شارعها(4).
كما أن الإستحسان عند مالك ليس إلا الإلتفات إلى المصلحة والعدل(5) ..
ولو تتبعنا كتب المالكية وخصوصا القدماء منهم لوجدنا أثر المصالح والمقاصد واضحا في تعليلاتهم في الفروع، وأنهم يبنون عليها أحكامهم وفتاواهم ويجعلون تلك المقاصد أصولا بنفسها ويقيسون عليها وهو عندهم أظهر منه عند غيرهم.
ولرعاية المقاصد الشرعية والمصالح المشروعة، حكم مالك -كما قلنا- قاعدة سد الذرائع في أكثر أبواب الفقه، وهذا المعنى هو ما أكده الأستاذ "محمد هشام البرهاني" حيث قال: "سد الذرائع من أصول الإستنباط الفقهي المهمة عند المالكية، وليس في المذاهب الفقهية الأربعة المنتشرة، ولا في غيرها من بلغ في أخذه بهذا الأصل مبلغ المذهب المالكي، وبهذا كان العمل بالمصلحة المرسلة أصلا مستقلا من أصول التشريع عنده، وليس سد الذرائع إلا تطبيقا عمليا من تطبيقات العمل بالمصلحة، ولذلك عدوه ضمن أصولهم وأعملوه في استنباطاتهم وتخريجاتهم في جميع أبواب الفقه، وفي كثير من المسائل العلمية وبالغوا في ذلك حتى عد بعض الفقهاء سد الذرائع من خصوصيات مذهب إمام دار الهجرة"(6).
وعلى هذا النحو سار الإمام مالك في النظر في المقاصد الشرعية حتى عد مذهبه من أكثر المذاهب مراعاة للمصالح والمقاصد.

الهوامش
(1)
- نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي “ للأستاذ أحمد الريسوني ص: 64. الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الطبعة الرابعة: 1995م.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - الاعتصام،لأبي إسحاق الشاطبي، ج2/132-133، ضبطه وصححه أحمد محمد الشافي. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية: 1411هـ/1981م.
(4) - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض، ج1 ص: 92. طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب.
(5) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد بن رشد، ج2 / 185. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة العاشرة: 1408هـ/1988م.
(6) - سد الذرائع في الشريعة الإسلامية - محمد هشام البرهاني - ص: 615.مطبعة الريحاني . الطبعة الأولى /1406هـ-1986م

الفكر المقاصدي عند الإمام مالك

إن أخص ما امتاز به فقه مالك هو رعاية المصلحة واعتبارها، لهذا فهي عمدة فقه الرأي عنده اتخذها أصلا للإستنباط مستقلا..

إن الإمام مالكا عندما يطلق الرأي يعني به فقهه الذي يكون بعضه رأيا اختاره من مجموع آراء التابعين، وبعضه رأيا قد قاسه على ما علم، ومن ثم فإن باب أصول فقه الرأي عنده هو ما عليه أهل المدينة وعلم الصحابة والتابعون. ويمكن تلخيص ذلك في قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد التي عليها مدار مقاصد الشريعة الإسلامية. فهذا هو أساس الرأي عنده مهما تعددت ضروبه واختلفت أسماؤه، أو كما قال أبو زهرة "فالرأي سواء كان بالقياس أو كان بغيره من الاستحسان أو المصالح المرسلة أو سد الذرائع قوامه جلب المصالح ودرء المفاسد."
ومراعاة المصلحة في المذهب المالكي ليس مجرد الأخذ بالمصلحة المرسلة حيث لانص ولا قياس بل هو استحضار المصلحة عند فهم النص وعند إجراء القياس، فضلا عن حالات إعمال المصلحة المرسلة(1) .
ومن هنا يجب أن يكون الإجتهاد الفقهي قائما على أساس الاستصلاح، وأن يكون فهم النصوص والاستنباط منها قائما على أساس أن مقاصدها جلب المصالح ودرء المفاسد(2). وقد قرر الإمام الشاطبي هذه الحقيقة بقوله: "وقد استرسل مالك فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية مع مراعاة مقصود الشارع، أن لا يخرج عنه ولا يناقض أصلا من أصوله"(3) .
وقبل الشاطبي نجد "القاضي عياض" يسجل أن أحد الاعتبارات المرجحة لمذهب مالك هو النظر المصلحي القائم على مقاصد الشريعة وقواعدها، فيقول: "الاعتبار الثالث يحتاج إلى تأمل شديد، وقلب سليم من التعصب سديد، وهو الالتفات إلى قواعد الشريعة ومجامعها، وفهم الحكمة المقصودة بها من شارعها(4).
كما أن الإستحسان عند مالك ليس إلا الإلتفات إلى المصلحة والعدل(5) ..
ولو تتبعنا كتب المالكية وخصوصا القدماء منهم لوجدنا أثر المصالح والمقاصد واضحا في تعليلاتهم في الفروع، وأنهم يبنون عليها أحكامهم وفتاواهم ويجعلون تلك المقاصد أصولا بنفسها ويقيسون عليها وهو عندهم أظهر منه عند غيرهم.
ولرعاية المقاصد الشرعية والمصالح المشروعة، حكم مالك -كما قلنا- قاعدة سد الذرائع في أكثر أبواب الفقه، وهذا المعنى هو ما أكده الأستاذ "محمد هشام البرهاني" حيث قال: "سد الذرائع من أصول الإستنباط الفقهي المهمة عند المالكية، وليس في المذاهب الفقهية الأربعة المنتشرة، ولا في غيرها من بلغ في أخذه بهذا الأصل مبلغ المذهب المالكي، وبهذا كان العمل بالمصلحة المرسلة أصلا مستقلا من أصول التشريع عنده، وليس سد الذرائع إلا تطبيقا عمليا من تطبيقات العمل بالمصلحة، ولذلك عدوه ضمن أصولهم وأعملوه في استنباطاتهم وتخريجاتهم في جميع أبواب الفقه، وفي كثير من المسائل العلمية وبالغوا في ذلك حتى عد بعض الفقهاء سد الذرائع من خصوصيات مذهب إمام دار الهجرة"(6).
وعلى هذا النحو سار الإمام مالك في النظر في المقاصد الشرعية حتى عد مذهبه من أكثر المذاهب مراعاة للمصالح والمقاصد.

الهوامش
(1)
- نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي “ للأستاذ أحمد الريسوني ص: 64. الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الطبعة الرابعة: 1995م.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - الاعتصام،لأبي إسحاق الشاطبي، ج2/132-133، ضبطه وصححه أحمد محمد الشافي. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية: 1411هـ/1981م.
(4) - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض، ج1 ص: 92. طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب.
(5) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد بن رشد، ج2 / 185. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة العاشرة: 1408هـ/1988م.
(6) - سد الذرائع في الشريعة الإسلامية - محمد هشام البرهاني - ص: 615.مطبعة الريحاني . الطبعة الأولى /1406هـ-1986م

facebook twitter youtube